ابن عربي

41

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

وقد يريد تفجعا لحنينها ، أي يريد أن يكون لها مثلا لذلك الحنين إلى المناظر العلى ، ولا تحجب لتعشق الأكوان عما خلقت له ، ثم قال : طارحتها ثكلا بفقد وحيدها * والثّكل من فقد الوحيد يكون الوحيد الذي فقدته هي الخاصية التي انفردت بها عن العالم ، وفقدها إياها كونها لا تعرف ما هي ولا يتعين لها بل تعرف أن ثم أمرا تنفرد به عن غيرها على الإجمال وهي وحدانيتها ، ومنها تعرف وحدانية من أوجدها ، إذ لا يعرف الواحد إلا الواحد ، وهي التي أراد القائل بقوله : وفي كل شيء له آية * تدلّ على أنه واحد يشير إلى خاصية كل وهي أحديته ، فجعلها علامة على أحدية الأحد اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ( 4 ) [ الإخلاص : 2 - 4 ] . وقوله : طارحتها أي بكيت مثل بكائها على مثل من بكت هي أيضا فإن أكثر العارفين ماتوا بحسرة فقد هذه المعرفة ، التي هي أحديتهم فكلهم عرفوا وحدانيتهم والأحدية لا يعرفها إلا القليل من أهل العناية والتمكين . طارحتها ، والشّجو يمشي بيننا * ما إن تبين وإنني لأبين يقول : بكيت مثل ما بكت غير أنها لم تكن من عالم العبارة والتفصيل لم تبين ما بها من الشّجو للسامعين من طريق الفهوانية وأنا أبنت لهم بما أبديت من العبارة والإيماء والإشارة والتعداد في حال البكاء وأخبر عما هو الأمر عليه في عينه وقولهم : الشجو يمشي بيننا كما قال ابن زهر : وقد تعب الشّوق ما بيننا * فمنه إليّ ومني إليه يقول : أي طارحتها مطارحة حزن لا مطارحة سرور لأنه عن فقد لا وجود . بي لاعج في « 1 » حبّ رملة عالج * حيث الخيام بها وحيث العين يقول : بي حرقة اشتياق من حبّ دقائق العلوم الكسبية ، وهي علوم التفصيل ولهذا جعلها رملية ، وأضافها إلى عالج من المعالجة ، وهي من باب قوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ [ المائدة : 66 ] ، فهذه هي معالجة الأعمال وهو التكسب ، ثم قال : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] إشارة إلى هذه المعارف ، فما كان من فوقهم هو بمنزلة ما تشبه به العلوم من الأمطار ، وفي المشاهد من البرق ، وفي المناجاة من الرعود ، وفي الفنا باحتراقات أعيان الحجب من الصواعق ، وما كان من تحتهم بالرمال والحصى وما تحملهم الأرض وتخرج من

--> ( 1 ) في نسخة أخرى : من .